أحمد بن محمد القسطلاني
161
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
غيرها من سماع الخطبة وإدراك الصلاة والذكر والدعاء ونحو ذلك ، فإنه يكتبه الحافظان قطعًا . وفي حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن ابن خزيمة : " فيقول بعض الملائكة لبعض : ما حبس فلانًا ؟ فيقول : اللهم إن كان ضالاًّ فاهده ، وإن كان فقيرًا فأغنه وإن كان مريضًا فعافه " . وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما ذكر فضل الاغتسال يوم الجمعة ، وفضل التبكير إليها . وإن الفضل المذكور إنما يحصل لمن جمعهما ، وعليه يحمل ما أطلق في باقي الروايات من ترتب الفضل على التبكير من غير تقييد بالغسل ، ولو تعارض الغسل والتبكير فمراعاة الغسل ، كما قال الزركشي أولى ، لأنه مختلف في وجوبه ، ولأن نفعه متعدٍّ إلى غيره بخلاف التبكير . تنبيه : السُّنَّة في التبكير إنما هي لغير الإمام ، أما الإمام فيندب له التأخير إلى وقت الخطبة لاتباعه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وخلفائه . قاله الماوردي ، ونقله في المجموع ، وأقرّه . والله أعلم . 5 - باب هذا ( باب ) بالتنوين من غير ترجمة ، وهو كالفصل من الباب السابق . 882 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : " أَنَّ عُمَرَ - رضي الله عنه - بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ . فَقَالَ عُمَرُ : لِمَ تَحْتَبِسُونَ عَنِ الصَّلاَةِ ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ : مَا هُوَ إِلاَّ سَمِعْتُ النِّدَاءَ فَتَوَضَّأْتُ فَقَالَ : أَلَمْ تَسْمَعُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا رَاحَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ " . وبه قال : ( حدّثنا أبو نعيم ) الفضل بن دكين ( قال : حدّثنا شيبان ) بفتح المعجمة والموحدة ، ابن عبد الرحمن التميمي النحوي ، نسبة إلى بطن من الأزد ، لا إلى علم النحو ، البصري ، نزيل الكوفة ( عن يحيى ) زاد أبو ذر : هو ابن أبي كثير ( عن أبي سلمة ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني ، قيل : اسمه عبد الله ، وقيل : إسماعيل ( عن أبي هريرة ) رضي الله عنه ( أن عمر ) بن الخطاب ( رضي الله عنه ، بينما ) بالميم ( هو يخطب يوم الجمعة ) أي : على المنبر ، وجواب بينما ، قوله ، ( إذ دخل رجل ) هو عثمان بن عفان رضي الله عنه ( فقال ) له ( عمر ) وللأصيلي : عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه : ( لم تحتبسون عن ) الحضور إلى ( الصلاة ) في أول وقتها ؟ ( فقال الرجل ) عثمان : ( ما هو ) أي الاحتباس ( إلا أن سمعت النداء ) الأذان ، ولغير أبي ذر والأصيلي وابن عساكر : إلاّ سمعت النداء ( فتوضأت فقال ) : عمر له ولمن حضر من الصحابة : ( ألم تسمعوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول ) كذا لأبي ذر والأصيلي ، ولغيرهما : قال : ( إذا راح أحدكم ) أي : أراد أحدكم الرواح ( إلى ) صلاة ( الجمعة فليغتسل ) ندبًا ، كما مرّ . ووجه مطابقته للترجمة السابقة من حيث إنكار عمر على عثمان احتباسه عن التبكير بمحضر من الصحابة ، وكبار التابعين ، مع عظم جلالته ، فلولا عظم فضل ذلك لما أنكر عليه ، وإذا ثبت الفضل في التبكير إلى الجمعة ثبت الفضل لها . ورواة الحديث الخمسة ما بين كوفي ويماني ومدني ، وفيه التحديث والعنعنة والقول ، وأخرجه مسلم في الصلاة ، وأبو داود في الطهارة ، والله أعلم . 6 - باب الدُّهْنِ لِلْجُمُعَةِ ( باب ) استعمال ( الدهن للجمعة ) بضم الدال ، ويجوز فتحها مصدر : دهنت دهنًا ، وحينئذٍ فلا يحتاج إلى تقدير . 883 - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي عَنِ ابْنِ وَدِيعَةَ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « لاَ يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى » . [ الحديث 883 - طرفه في : 910 ] . وبه قال : ( حدّثنا آدم ) بن أبي إياس ( قال : حدّثنا ابن أبي ذئب ) هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحرث بن أبي ذئب ، واسمه هشام القرشي العامري المدني ( عن سعيد المقبري ) بضم الموحدة ، نسبة إلى مقبرة بالمدينة ، كان مجاورًا بها ، التابعي ( قال : أخبرني ) بالإفراد ( أبي ) أبو سعيد ، كيسان المقبري التابعي ( عن ابن وديعة ) عبد الله الأنصاري المدني التابعي ، أو هو صحابي ( عن سلمان الفارسي ) رضي الله عنه ( قال : قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( لا يغتسل رجل يوم الجمعة ) غسلاً شرعيًا ( ويتطهر ما استطاع من طهر ) بالتنكير للمبالغة في التنظيف ، أو المراد به التنظيف : بأخذ الشارب والظفر والعانة ، أو المراد بالغسل : غسل الجسد ، وبالتطهير : غسل الرأس وتنظيف الثياب ، ولأبي ذر وابن عساكر عن الحموي والمستملي : من الطهر ( وبدهن من دهنه ) بتشديد الدال بعد المثناة التحتية ، من باب : الافتعال أي : يطلي بالدهن ليزيل شعث رأسه ولحيته به ، ( أو يمس ) بفتح المثناة التحتية والميم ( من طيب بيته ) إن لم يجد دهنًا أو : أو ، بمعنى الواو ، فلا ينافي الجمع بينهما ، وأضاف الطيب إلى البيت إشارة إلى أن السُّنَّة اتخاذ الطيب في البيت ، ويجعل استعماله له عادة . وفي حديث أبي داود عن ابن عمر : " أو يمس من طيب امرأته " أي : إن لم يتخذ